القرطبي
200
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - واختلف الناس في معنى قوله : ( لينا ) فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة : معناه كنياه ، وقاله ابن عباس ومجاهد والسدي . ثم قيل : وكنيته أبو العباس . وقيل : أبو الوليد . وقيل : أبو مرة ، فعلى هذا القول تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيها ذا شرف وطمع بإسلامه . وقد ( 1 ) يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه ، لان الطمع ليس بحقيقة توجب عملا . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ) ولم يقل وإن طمعتم في إسلامه ، ومن الاكرام دعاؤه بالكنية . وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية : ( أنزل أبا وهب ) فكناه . وقال لسعد : ( ألم تسمع ما يقوله أبو حباب ) يعني عبد الله بن أبي . وروى في الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قام على باب فرعون سنة ، لا يجد رسولا يبلغ كلاما حتى خرج . فجرى له ما قص الله علينا من ذلك ، وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين ، وربك أعلم بالمهتدين . وقيل قال له موسى : تؤمن بما جئت به ، وتعبد رب العالمين ، على أن لك شبابا لا يهرم إلى الموت ، وملكا لا ينزع منك إلى الموت ، وينسأ في أجلك أربعمائة سنة ، فإذا مت دخلت الجنة . فهذا القول اللين . وقال ابن مسعود : القول اللين قوله تعالى " فقل هل لك إلى أن تزكى . وأهديك إلى ربك فتخشى " ( 2 ) [ النازعات : 18 - 19 ] . وقد قيل أن القول اللين قول موسى : يا فرعون إنا رسولا ربك رب العالمين . فسماه بهذا الاسم لأنه [ كان ] ( 3 ) أحب إليه مما سواه مما قيل له ، كما يسمى عندنا الملك ونحوه . قلت : القول اللين هو القول الذي لا خشونة فيه ، يقال : لان الشئ يلين لينا ، وشئ لين ولين مخفف منه ، والجمع أليناء . فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا ، فمن دونه أحرى بأن يقتدى بذلك في خطابه ، وأمره بالمعروف في كلامه . وقد قال الله تعالى : " وقولوا للناس حسنا " ( 4 ) [ البقرة : 83 ] . على ما تقدم في " البقرة " بيانه والحمد لله . الرابعة - قوله تعالى : ( لعله يتذكر أو يخشى ) معناه : على رجائكما وطمعكما ، فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر ، قاله كبراء النحويين : سيبويه وغيره . وقد تقدم في أول ( البقرة ) ( 5 ) . قال الزجاج : " لعل " لفظة طمع وترج فخاطبهم بما يعقلون . وقيل " لعل " هاهنا بمعنى
--> ( 1 ) في ج وك : وقيل . ( 2 ) راجع ج 19 ص 189 فما بعد . ( 3 ) من ب وج وي وك وى . ( 4 ) راجع ج 2 ص 16 فما بعد . ( 5 ) راجع ج 1 ص 227 .